بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم وترحيب :

 أيها السادة المشاهدون ، سلام الله عليه ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم الإيمان هو الخلق ، نحن وإياكم في ضيافة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين بدمشق ، أهلاً وسهلاً بأستاذنا الكريم .
الدكتور راتب :
 أهلا بكم أستاذ علاء ، جزاك الله خيراً .
الأستاذ علاء :
 الحلقات الماضية كنا قد مررنا على مسألة هامة من مسائل مقومات التكليف ، وهي الفطرة ، وتبينا من خلال الحديث مع أستاذنا الكريم أن الفطرة هي المرجعية للإنسان أخلاقياً ، هذه المرجعية أن تحب الكمال ، ولا يعني أنه كامل ، لكن إذا قام بعمل ينافي محبة الفطرة للكمال تؤنب الفطرة النفس بالكآبة وبالأمراض النفسية والضيق ، وإذا توافق العمل والسلوك والمنهج مع الفطرة كانت الراحة النفسية تصاحب هذا الإنسان الذي كلفه الله بالرسالة ، وكلفه بالأمانة ، وتحدثنا عن الصبغة ، وقلت لنا : إن الصبغة ليست كالفطرة ، إنما هي حب الكمال ، والتوق إلى الكمال ، والمرجعية الأخلاقية عند الإنسان ، أما الصبغة فهي الاصطباغ بالكمال عند التخلق بأخلاق الله عز وجل ، وقفنا عند موضوع الطبع والتكليف ، ولم يسعفنا الوقت في إكمال هاتين المحطتين .

الإسلام نفس وروح وجسد :

الدكتور راتب :
 الحقيقة أن الإنسان في الأصل نفس وروح وجسد ، نفسه ذاته هي المكلفة في المعاتبة ، هي التي ترقى ، هي التي تسمو ، هي التي تسقط ، هي التي تكفر ، هي التي تعتدي ، هي التي تحسن ، نفسك ذاتك ، والنفس لا تموت ، لكنها تذوق الموت ، قال تعالى :

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾

[ سورة آل عمران : 185]

 هذه النفس خالدة إلى ما شاء الله قال تعالى :

﴿ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ﴾

[ سورة الزخرف : 77]

 هذه النفس هي ذات الإنسان ، هي الأصل هي التي تدرك ، هي التي ترقى ، هي التي تسقط ، هي التي تكذب ، هي التي تسيء ، النفس لها وعاء هو الجسد ، ترى من خلال العينين ، تنتقل إليها الأصوات من خلال الأذنين ، تعبر عن ذاتها باللسان ، تستمتع النفس بالطعام والشراب ، تستمع النفس بالطعام والشراب عن طريق خلايا الذوق ، تبطش باليد ، تنتقل بالرجل ، فهذا الجسم وعاء الإنسان ، تماماً كالمركبة ، سائقها هو كل شيء ، صاحب المركبة إما أن يسرع ، أو يخفض السرعة ، إن رأيتها أنيقة ونظيفة فسبب نظافة صاحبها ، إن رأيتها رعناء في قيادتها فمن رعونة قائدها ، فهي تعبر عن صاحبها ، الجسم وعاء للنفس ومرتكز له ، فالجسم كالثوب ، إذا بلي يخلع ، ويرمى جانباً ، هو الموت .
 العين تحتاج إلى قوة كي ترى ، والروح هو القوة المحركة .
 الأذن تسمع بالروح ، تماماً كآلة تسجيل فيها كل الميزات الكاملة ، لكن لا تنطق كي تسمع بها الشريط إلا بالكهرباء ، فالروح تسري في الجسم ، وهي قوة الله عز وجل ، والموت انقطاع قوة الإمداد ، وتلف الوعاء وبقاء النفس .
لكن أنا أقول لك كلمة : الآن من دون كهرباء يمكن أن تنتقل إذا قطع عنها التيار ، وهو الموت ، ويمكن أن تصيبها بالعطب ، فلا تصلح لاستقبال التيار ، وهو القتل ، القتل تحطم هذه البلورة ، فلم تعد صالحة لاستقبال التيار ، أما الموت فهو انقطاع التيار ، وبانقطاع التيار تنقطع الإضاءة ، أما حينما يقتل الإنسان تحكم أجهزته ، فلم تعد صالحة لاستقبال الإمداد الإلهي ، فهو المعني .
 النفس هي الخالدة ، فإما في جنة يدوم نعيمها ، أو في نار لا ينفذ عذابها ، وهي المحاسبة ، هي المعاتبة ، هي المكلفة ، هي المؤمنة ، هي الكافرة ، هي المنافقة ، هي التي ترقى إلى الله ، هي التي تبتعد عنه ، هي التي تصاحب الشيطان ، هي كل شيء في ذات الإنسان .
الأستاذ علاء :
 وهي المخيرة .
 الدكتور راتب : ومكلفة ، قال تعالى :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾

[ سورة الأحزاب : 72]

خصائص النفس متطابقة مع متهج الله :

 إلا أن النفس متطابقة تطابقاً تاماً مع منهج الله ، النفس ترتاح إذا أدت ما عليها ، والمثل واضح : فلو أن الإنسان استيقظ على صلاة الفجر ، وصلى السنة والفرض ، ورجع إلى النوم ينام مرتاحاً ، النفس ترتاح بطاعة الله ، ترتاح أن تكون صادقة ، ترتاح أن تكون أمينة ، ترتاح أن تكون متقنة ، ترتاح أن تؤدي واجباتها ، هذه النفس .

خصائص الجسد متناقضة مع التكليف :

 إلا أن الجسم شيء آخر ، الجسد يحب النوم ، ويزعجه أن يستيقظ على صلاة الفجر ، الجسد يحب أن يملأ عينيه بالحسناوات ، ويزعجه أن يغض البصر ، الجسد يسعده أن يأخذ المال ليأكل به الطعام الطيب ، ويزعجه أن ينفقه ، خصائص الجسد متناقضة مع التكليف وهذا التناقض هو ثمن الجنة ، قال تعالى :

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[ سورة النازعات ]

 الجنة كلها ثمنها الضبط ، الإيمان ضبط ، وقلنا سابقاً : الإنسان معه شهوات ، قال تعالى :

﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة البقرة : 212]

 هذه الشهوات حيادية ، بالإمكان أن تمارس بلا قيد ولا شرط ، كما يفعل معظم سكان الأرض ، لكن الإيمان أعطانا مسافة مسموحاً بها ، ومنعنا عن مساحات غير مسموح بها ، هذا هو الإيمان ، أن تمارس شهوتك وفق منهج الله ، قال تعالى :

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة القصص : 50]

 المعنى المخالف : أنك إذا اتبعت هواك وفق منهج الله فلا شيء عليك .
 الجسد خصائصه أن يميل إلى الراحة والاسترخاء والنوم ، وأن يأكل ما يشتهي بلا قيد أو شرط ، وأن يمتع عينيه بما يشتهي بلا قيد ولا شرط ، فيأتي الشرع ليقول له : غض البصر ، أنفق من مالك ، استيقظ وصلِّ ِ، اضبط لسانك ، هذا التكليف يناقض الطبع ، وهذا التناقض هو ثمن الجنة ، قال تعالى :

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[ سورة النازعات ]

 وقد أثنى الله عز وجل على النفس الذي تلوم ذاتها ، قال تعالى :

﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾

[ سورة القيامة]

نماذج النفوس في القرآن الكريم :

 بالمناسبة النفوس في القرآن الكريم نماذج .

1 – النفس المطمئنة :

 قال تعالى :

﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي *وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾

[ سورة الفجر]

 هذه المطمئنة .

2 – النفس اللوامة :

 الآن قال تعالى :

﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾

[ سورة القيامة]

الأستاذ علاء :
 تلوم صاحبها
 هذا نموذج آخر ، فيها محاسبة .
الأستاذ علاء :
 الحوار الداخلي أنك فعلت كذا هذا يجب ألا يكون ، هذا هو الحوار .
الدكتور راتب :

القلب الحي والقلب الميت :

 أما الإنسان إذا مات قلبه فقد انتهى ، قال تعالى :

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[ سورة النحل : 21]

ليس من مات فاستراح بميت  إنما الميت ميت الأحياء
***
من يهن يسهل الهوان عليه  ما لجرح بمـيت إيلام
***

 الحقيقة أستاذ علاء أن الفرق كبير بين أن يكون القلب حياً ، وبين أن يكون ميتاً ، القلب الميت لا يعي على خير ، قال تعالى :

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾

[ سورة الأنفال : 23]

 لذلك هؤلاء الذين ماتت قلوبهم ، وخرجوا من دائرة العناية المشددة أعطاهم الله ما يشتهون ، قال تعالى :

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾

[ سورة الأنعام : 44]

 كمرض خبيث انتشر بكل جسمك ، فلما سألتَ الطبيب : ماذا آكل ؟ قال : كل ما تشاء ، قال تعالى :

﴿ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾

[ سورة القصص : 78]

 إذا سيق إنسان ليعدم لجريمة ارتكبها هل يحاسب على مخالفة سير ؟ فهذا التكليف متعلق بمنهج الله ، وهو مناقض للطبع ، والتناقض بين الطبع والتكليف هو ثمن الجنة .

الشهوات لها قنوات نظيفة تسري من خلالها :

 بالمناسبة ، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها ، فليس في الإسلام حرمان ، لكن فيه تنظيم ، وما من شهوة على الإطلاق أودعتْ في الإنسان إلا ولها قناة نظيفة شريفة طاهرة تسري خلالها .
شهوة المرأة مثلاً لها الزواج المشروع ، تزوجت امرأة جميلة مخلصة محبة ، أنجبت لك أولاداً ملؤوا البيت فرحة ، كبر الأولاد ، ارتقوا إلى مناصب رفيعة ، أنت أبوهم اعتزوا بك ، الحياة وفق منهج الله رائعة جداً ز
 أستاذ علاء ، بيت فيه جميع الأدوات الكهربائية ، من براد ، وغسالة ، ميكرو ويف ، مسجلة ، كل الأدوات الموجودة من دون كهرباء لا قيمة لها كلها ، لا شيء ، إذا سرت الكهرباء أصبح لكل جهاز معنى ، صدق أنه إذا سرى الإيمان في قلب الإنسان الزواج له معنى ، ومن دون إيمان يكون ممِلاًّ ، وأكثر الأزواج يملّون زوجاتهم ، والزوجات تملّ أزواجها ، الأبوة ليس لها معنى ، الابن عبء على الأب ، العمل ممل ، والحياة من دون إيمان مقفرة متصحرة ، متعبة مملة ، قيعان ، فإذا سرى الإيمان أصبحت مسعِدة ، والحرفة ما مِن إنسان لا يمل حرفته من كثرة التكرار ، إلا المؤمن إذا كانت حرفته مشروعة في الأصل ، ووفق منهج الله ، وسلك بها الطرق المشروعة ، لم يكذب ، لم يغش ، وابتغى منها كفاية نفسه وأهله ، وخدمة المجتمع ، أنا حينما أكون طبيباً أبتغي خدمة المجتمع ، حينما أكون تاجراً أبتغي خدمة المجتمع ، التاجر الصدوق مع النبيين يوم القيامة ، ابتغى بها خدمة المجتمع ، ولم تشغله عن فريضة ، ولا عن واجب ديني ، انقلبت حرفته إلى عبادة ، أنا أسميها العبادة التعاملية ، كل إنسان يمكن أن تكون حرفته عبادة تعاملية يرقى بها إلى الجنة ، لمجرد ألا تغش المسلمين ، وألا تؤذيهم ، وألا تحتال عليهم ، عندئذ أنت ترقى بهذه الصنعة ، أنا أرى أن الحياة لا تصلح من دون إيمان ، والمراقبة البشرية مستحيلة ، من يراقبك في الفرن الساعة الثانية ليلاً ؟
الأستاذ علاء :
 لا يوجد ضبط مادي ، أو أدوات للضبط المادي والمجتمعي على مدار الساعة ، وفي كل زمان ومكان هنالك للضبط ساعات وأوقات معينة ، لكن كما تفضلت الإيمان يدخل إلى غرف نومه ، إلى حمامه ، إلى كل الأماكن .

الإنسان بين ضبط البشر ومراقبة الخالق :

الدكتور راتب :
 إن راعيًا في شِعب الجبال يلتقي به ابن سيدنا عمر ، يقول له : بعني هذه الشاة ، وخذ ثمنها ، يقول له الراعي : ليست لي ، يقول : قل لصاحبها : ماتت ، أو أكلها الذئب ، يقول الراعي : ليست لي ، يقول له : خذ ثمنها ، يقول له الراعي : والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها : ماتت ، أو أكلها الذئب لصدقني ، فإني عنده صادق أمين ، ولكن أين الله ؟ هذا الراعي وضع يده على جوهر الدين ، إذا قلت : أين الله فأنت مؤمن ورب الكعبة ، والله الذي لا إله إلا هو لا أصدق أن يكون الانضباط في المجتمع من دون مراقبة لله ، لأن مهما كان الإنسان ذكياً فالمواطن أذكى ، ومهما كان القانون محكماً يستطيع أي مواطن أن يتفلت منه بطرق لا تعد ولا تحصى .
الأستاذ علاء :
 في بلدان الغرب والحضارات الغربية السباق سجال ، السباق على أشده بين أجهزة الضبط وتقنياتها واختراعاتها ، وتطوير قوانينها ، وبين العصابات المتفلتة التي تسبقها بأشواط أحياناً .
الدكتور راتب :
 أنا كنت في أمريكا راكبا سيارة ، فسمعت جرساً ، قلت : ما هذا ؟ قال : أمامنا جهاز رادار لكشف السرعات الزائدة ، نبه الجهاز السائق قبل خمسة كيلو مترات ، فعاد إلى السرعة النظامية ، هذه معركة بين عقلين .
الأستاذ علاء :
 حتى هذا الصندوق الأسود في السيارات لضبط السرعات الساعة كذا ..
الدكتور راتب :
 إذا كان المشرع إنساناً فالإنسان الآخر أذكى منه ، وأما إذا كان المشرع خالقاً فأين الله ؟ أعظم ما في الدين أنه يبدي الارتباط من الداخل يسمى الوازع .
الأستاذ علاء :
 قالت لها أمها : اخلطي الحبيب .
الدكتور راتب :

القوانين الوضعية ردعها خارجي :

 لكن رب عمر يرانا ، أسوأ ما في القوانين الوضعية أن ردعها خارجي .
 مثلاً : الآن هناك كاميرات لضبط المخالفات في الأسواق مذهلة ، أما لما انقطعت الكهرباء تمت مئتا ألف سرقة في أمريكا في ليلة واحدة ، ما يقابل أربع مليارات دولار ، إذاً انضباطكم انضباط إلكتروني لا قيمة له ، الآن لو اشتريت في سوق من أمريكا قطعة ، ولم تدفع ثمنها تصدر أصواتاً مخيفة ، تغلق الأبواب فجأة ، إذاً الكل يدفع ؟ لا لأنهم كمَّلٌ ، لا لأنهم ورعون ، هناك ضبط إلكتروني فقط ، لما قطعت الكهرباء تفلتت الأمور .
الأستاذ علاء :
 سيدي الكريم ، إذاً نحن قلنا : إن الخلاف ما بين الطبع الذي يرتبط بالجسد والجسم وما بين التكليف هو ثمن الجنة ، الآن محطتنا العلمية .

مجتمع النحل آية من آيات الله الكبرى :

الدكتور راتب :
 الحقيقة أن النحل من أكبر الآيات الدالة على عظمة الله ، والآن إلى الفيلم العلمي.
الأستاذ علاء :
تفضل .

النحل : بين النظام المذهل والإنتاج المعجز :

الدكتور راتب :
 واحدة من أغرب الكائنات في الطبيعة ، إنها النحلة ، تقدم لنا العسل الذي تنتجه بنفسها ، تعيش في بيوت تبنيها بنفسها على شكل مسدسات ، والشكل المسدس يلغي الفراغات البينية ، وقد تقول : المربع أيضاً يلغي الفراغات البينية ، لكن المسدس زواياه منفرجة ، وهذا من حكمة الخالق جل جلاله ، لتخزين العسل .
 مَن منا يصدق أن صنع كيلو واحد من العسل يحتاج إلى طيران أربعمئة ألف كيلو متر ، حوالي عشرة دورات حول الأرض ، ويحتاج إلى أن تقف على ثمانية ملايين زهرة ، قال تعالى :

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

[ سورة النمل : 88]

﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ﴾

[ سورة النحل : 68]

 وحي النحل وحي غريزة ، تقوم بأعمال معقدة جداً ، لا بأمر تكليفي كالإنسان ، بل بأمر تكويني ، إذا وقعت النحلة على زهرة تترك رائحة خاصة تشعر زميلاتها أن هذه الزهرة امتص رحيقها توفيراً للوقت والجهد .

كيف تهتدي النحلة إلى حقول الأزهار ؟

 لكن السؤال الدقيق : كيف تهتدي النحلة إلى حقول الأزهار ؟
 هناك نحلات مخبرات مستطلعات يبحثن في أماكن بعيدة عن الخلايا إلى مسافة عشرة كيلو مترات ، فإذا عثرن على حقل أزهار أخذن عينة ، وعدن بها إلى الخلية ، وعرضنها على الخبيرات ، هل هذا الحقل يستحق أن نطير إليه ؟ هناك نحلات مستطلعات كشافات ، تأخذ عينات ، وتعود إلى الخلية .
 الآن كيف تستطيع هذه النحلة المخبرة بعد أن جابت السهول ، وعادت بنماذج أن تعلم أخواتها أين الحقل ؟
 الحقيقة أن النحل يرقص ، ورقص النحل يعلم بقية النحلات بمكان الأزهار ، وبعدها ، وبكثافتها ، الجهة والبعد والكثافة ، هذه النحلة ترقص بهذا الخط إذا كانت المسافة باتجاه الشمس ، هذا الخط نحو الأعلى اتجاه الشمس ، نحلة أخرى ترقص باتجاه معاكس نحو اتجاه عكس الشمس ، نحلة ثالثة يمين الشمس ، أو يسار الشمس ، هذه باتجاه الشمس ، هذه النحلة ترقص باتجاه الشمس ، ونحلة أخرى ترقص باتجاه معاكس للشمس ، طبعاً رأسها باتجاه السهم ، هناك نحلة ثالثة ترقص بخط متعامد مع اتجاه الشمس كالصورة تماماً في لذلك تسعون درجة مع أشعة الشمس ، الرابعة بزاوية خمس وأربعين يسار الشمس ، إذاً اتجاه الرقص يحدد مكان الأزهار .
 الآن بطريقة لا نعلمها تماماً تحدد المسافة ، بطريقة سابغة حسب تواتر الرقص تحدد الكمية ، أولاً : الاتجاه ، ثانياً : المسافة ، ثالثاً : الكمية كله عن طريق الرقص ، قال تعالى :

﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ﴾

[ سورة النحل : 68]

 كله عن طريق الرقص ، أوحى ربك إلى النحل ، هذا من وحي الله له ، والوحي وحي غريزي .
 شيء آخر ، لا يمكن أن تبيت نحلة إلا في خليتها ، لأنها ما لم تذكر كلمة السر تقتل ، لكل خلية كلمة سر ، و كلمة السر من حين لآخر تبدل ، الحقيقة أن هناك نظاما اجتماعيا في النحل لا يصدقه العقل ، والله أنا ما ذكرت الآن واحدا بالمليون من معلومات دقيقة عن النحل لضيق الوقت طبعاً .
 طيرانها وهي محملة بالرحيق ثلاثون كيلوا في الساعة ، طيرانها من دون رحيق ستون مترا في الساعة ، و معظم النحل ينتقل إلى مسافة عشرة كيلومترات ليصل إلى الأزهار .
الأستاذ علاء :
 أي تغدو خماصاً ، و تعود بطاناً .
الدكتور راتب :

أقسام النحل :

 يوجد نحلات عاملات ، ونحلات للتنظيف ، ونحلات للتهوية ، لو دخلت فأرة إلى الخلية ليس لها حل ، تغطى بشمع ، وكأنك وضعتها في كونسروة ، يحنطوها تحنيطاً كاملاً ، وهناك نحلات مهمتها تلميع الخلية ، يوجد صقل ، ويوجد تلميع
 الآن هذه النحلة أحضروا أوعية فيها سكر ، وجاء النحل إليها من أماكن متعددة ، فكل مكان أعطوا للنحلة إشارة ، يوجد نحلة أعطوها نقطة ، ونحلة خطا ، ونحلة زائدا ، فعادت هذه النحلات التي عليها خط من مصدر ، والنقطة من مصدر ، والزائد من مصدر ، فرقصت رقصاً معيناً ، فبعد حين ذهبوا إلى الموقع فوجدوا أن عدداً كبيراً من النحل قد أمّ هذا الموقع ، تجارب بمنتهى الدقة ، وضعت نقطة على نحلة من مصدر معين ، و الثانية خط ، و الثالثة زائد ، فجاءت هذه النحلات إلى مكان الخلية ، ورقصت رقصاً يحدد المكان والمسافة والكثافة ، فبعد حين ذهبوا إلى هذه الأماكن الثلاثة فوجدوا أن النحل قد وصل إلى هذه الأماكن ، وارتاد هذه الأماكن .
 الحقيقة أن الله عز وجل ذكر النحل في القرآن الكريم :

﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي ﴾

[ سورة النحل : 68]

مهمة إناث النحل جني الرحيق :

 ياء المؤنثة المخاطبة ، و النحلة المؤنثة هي التي تجني الرحيق ، و هذه إشارة من إشارات القرآن الكريم إلى ذلك ، أي أُوحِي لك أن اتخذي ، ياء المؤنثة المخاطبة .
 الحقيقة أن الحديث عن النحل حديث طويل ، و فيه شيء لا يصدق ز

وظيفة المخلوق : إرشادية ونفعية :

 ما من شيء خلقه الله إلا و له وظيفتان ، و النبي عليه الصلاة والسلام نظر إلى الهلال فقال :

(( هلال خير و رشد ))

[ أبو داود عن قتادة ]

 أي خير ننتفع به في الدنيا ، ويرشدنا إلى ربنا ، فكل شيء الله خلقه له وظيفتان ، وظيفة إرشادية إلى الله ، و وظيفة نفعية .
 العالم الغربي اكتفى بالوظيفة النفعية ، والمؤمنون أضافوا إلى الوظيفة النفعية الوظيفة الإرشادية ، فكان النحل درساً بليغاً لتعظيم الله عز وجل .
 الذي لم يأكل العسل في حياته ، لكنه قرأ كتاباً عن العسل ، وبكى خشوعاً فقد حقق الهدف الأكبر من خلق العسل ، والذي أكل عسلاً حتى امتلأ ، ولم يفكر بعظمة الخالق عطل الهدف الأكبر من وجود العسل .
 الحقيقة :

﴿ وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾

[ سورة الذاريات : 20]

التفكر في الكون أقصر طريق إلى الله :

 وكما أقول دائماً : التفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق نصل به إلى الله ، و أوسع باب ندخل منه على الله ، لأنه يضعنا أمام عظمة الله عز وجل .
الأستاذ علاء :
 كل الأشياء التي نراها ، هذه الدقة ، هذا الإتقان ، هذا العالم الذي لا يوجد فيه فتور إنما يدل على عظمة الخالق ، وأن مهندساً من وراء هذا الكون أبدع هذا الصنع ، ولم يأت مصادفة ، ولم يأت بالتطور ، ولم يأت عن طريق اجتماع مادتين لا حياة فيهما ، و نشأ الخلق هكذا بهذا الانتظام كما مرّ معنا في حلقات سابقة .
الدكتور راتب :
 إذا كانت الذات الإلهية لا تدركها الأبصار ، لكن العقول تصل إليها من خلال خلق الله .

خاتمة وتوديع :

الأستاذ علاء :
 لا يسعنا إلا أن نشكر الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كلية الشريعة وأصول الدين في جامعة دمشق ، شكراً لكل ما قدمت ، و أيضاً لابد أن نقف عند المحطة العلمية في كل حلقة التي تمتع ، والتي تربط العقل و الفكر و النفس و الذات ، و تعيد بها إلى الصواب ، و تجعل منها حالة تفكير من وراء هذا الصنع و هذه الدقة و هذا الخلق .
الدكتور راتب :
 في برنامجنا الإيمان هو الخلق فالفقرة العلمية يغطي الإيمان .
الأستاذ علاء :
 وتعود بسلوك الإنسان إلى الخلق الذي أراده الله عز وجل ، شكراً أستاذنا الكريم ، والسلام عليكم ورحمة الله و بركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم .

والحمد لله رب العالمين